أخبار محلية / يافع نيوز

وردة على ضريح البردوني

كتب – د.عيدروس نصر ناصر النقيب.

كان يوماً عبوساً منذ صباحه الباكر حينما تشاجرت مع أحد العاملين من الجنسية البنغالية بسبب التقصير في مهمته وأثناء النهار دخلت في جدال مع أحد تجار الجملة بسبب فواتير آجلة لم يسددها منذ أشهر رغم تعوقيعه على كمبيالة عليها موعد الدفع، وفي المساء وأثناء تحصيل فواتير المبيعات نقل لي العم سالم خبر وفاة الشاعر الضرير1، وذهبت توا لأفتح التلفاز لأتأكد بأن المقصود هو أحد عمالقة الفكر والأدب في القرن العشرين الشاعر المفكر والناقد والفيلسوف الأستاذ عبد الله البردوني، ذلك الإنسان الاستثنائي في التاريخ المعاصر الذي غادر دنيانا الجميلة، رغم كل شيئ، بعد أن ملأ الدنيا شعراً ونقداً وفكراً وفلسفةً وتحليلاً سياسياً.

لست ناقداً أدبياً متخصصاً وينقصني الكثير من خبرات ومهارات النقد وأدواته لكنني تجرأت وكتبت مجموعة من المقدمات لبعض الشعراء والقاصين الشباب كما تناولت أعمال بعض الشعراء والأدباء المعروفين في محاولات لدراسة ظواهر معينة في أشعارهم، مثل “المعالجة الشعرية لظاهرة الاغتراب في شعر المقالح” و”النفس الثوري في شعر أدريس حنبله”، ولي بحثٌ مفقودٌ عن “الشعر في موكب الثورة”، لكنني حاولت مرارا التوقف عند العطاء الشعري للأستاذ البردوني فتراجعت بعد أن ارتأيت صعوبة التحدي وخطورة المجازفة، فشعر البردوني يختلف عن سواه بكثير من المعايير المنسوبة إلى المدارس التقليدية في النقد، فأنت لا تستطيع أن تقول عنه شاعرا كلاسيكيا أو كلاسيكيا جديدا لأنه لم يأخذ من الكلاسيكية سوى العمود الشعري، ولا هو من المدرسة الرومانسية المعروفة لدى النقاد المعاصرين فمساحة الرومانسية لا تتعدى عدد أصابع اليد من النصوص المبكرة، وربما كان أقرب إلى المدرسة الواقعية لكنه يستمد واقعيته من خلال الجمع بين مزايا وتمظهرات تجدها لدى الشعراء الكلاسيكيين والرومانسيين والواقعيين بمختلف مسميات مدارسهم، ولا أدري إلى أي مدى سأصيب إذا ما قلت عنه بأنه واقعيا يجمع بين النقدية والرمزية والفلسفية ، بيد إن هذا موضوع يستحق التوقف بتأني وروية من خلال استعراض مواضيع عدة من الأعمال الشعرية التي لم يسبقه إليها سواه، ومع كل التقدير لتلاميذه الذين حاولوا تقمص شخصيته واقتفاء منهجه الشعري، فإنني لا أتصور أن أحدا سيستطيع محاكاته أو التفوق عليه،

على مدى ليلتين بعد ذلك الخبر الصادم الذي تناولته وسائل الإعلام الرسمية باستخفاف كما تتناول أي حادث مروري أو نزاع بين شيخين لم أستطع أن أتصور غداً بدون البردوني، فقد كان واحدة من العلامات القليلة المميزة  والمبشرة والمبهجة لبلد غابت عنه كل علامات البشرى ومعالم البهجة.

في هذه الذكرى التي تعيدنا إلى يوم تدشين الأحزان التي لم تتوقف في هذا البلد المغلوب على أمره أعيد نشر ما كنت كتبته شعراً عن شاعرنا وفيلسوفنا العظيم بعنوان “وردة على ضريح البردوني”.

*        *        *

قيل جاء مجلجلاً قيل ولّى

قيل عنه اختفى وقيل تجلّى

ثم قيل انتهى وقيل أتانا

يصنع المنتهى لنا مستهلاّ

“قيل كان الردى لديهِ حصاناً

يمتطيهِ برقاً ويبريهِ” نصلا2

*      *       *

إنَّ ذاك الذي أتى من دمانا

يتحدَّى عواصف العمر بذلا

صار للمبصرين خير دليلٍ

ما دليلٌ إلّا ومنه استدلّا

ينسج الصبح للحيارى رغيفاً

للمساكين يفرش الروح ظلاّ

يصرع الظلم والظلام ويمضي

حالماً أن يفيض في الأرض عدلا

يملأ الأغنيات روحاً ونبضاً

ويفوق الجميع طهراً ونبلا

حاملاً روحهُ على الكف رمحاً

ناثراً قلبهُ وروداً وفلَّا

يمنح الأمسيات نفح الروابي

ينتقي للصباح طعماً وشكلا

فمضى في مدارب الشعر طوداً

يزدري فرقةً ويجمع شملا

لم يلن للصعاب يوماً قناةً

وبرغم الكفاف لم يبد بخلا

لم يمل نحو ثروةٍ واتساخٍ

وارتضى بالحياةِ بؤساً وعدلا

كان فوق الهبات أعلى شموخاً

رغم أن الهبات أغرى وأسلى

“حيثما القتل بالريالات يبدو

من صليل السيوف أمضى وأملى”

“يشتري مصرع النفوس ويمضي

مثلما يشتري حزاماً ونعلا”

*         *         *

إن ذاك الذي لنا كان وعداً

وأتانا يـــــــــــــقول للزيف كلاّ

أورق الحبر زنبقاً في يديهِ

أنبتت كل قمَّةٍ منهُ حقلا

للعصافير بيرقٌ في دماهُ

والندى باسمهِ على الفجر دلاّ

العناقيد تملأ الكأس شعراً

من صداهُ وتجعل البيد حبلى

ما توارى عن المعارك يوماً

وعن الأهل والحمى ما تخلّى

كلّنا كان في المعارك جزءً

منه وهو الذي لنا كان كلاّ

في الميادين أصلنا كان فرعاً

منه وهو الذي لنا كان أصلا

*         *         *

أيها الراحل الذي جاء يوماً

مستميتاً يقول للموت مهلا

ما تواريت يا رفيق القوافي

كيف تنزاح يا نهاراً مطلاّ

إن تباهى غيابك المرّ عنا

أو تعالى، حضورك الآن أعلى

قد ملأت العيون ضوءاً جميلاً

وملأت الحقول كرماً ونخلا

أنت ما زلت شعلةً في دمانا

تتلظّى وتجعل القول فعلا

في المعلاّ وفي الحديدة تأتي

شفقاً رائعاً وبحراً وطلاّ

في حنين القصرين في كلِّ شبرٍ

من تراب البلاد تمتدُّ ظلَّا

في عروق الجبال في كلِّ نبتٍ

من كروم الشامِ ونخل المكلَّا

كم أماتوك قبل هذا مراراً

ثم أدهشتهم حضوراً وفعلا

أنت من يجعل المدى مهرجاناً

سرمدياً ويبعث الدهر طفلا

ويحيل الزمان فينا ربيعاً

قرمزياً وموكباً لن يُمَلّا

من نداك العبير ينساب ثراًّ

من أغانيك يهطل البِشْرُ هطلا

يا خلوداً على جناح القوافي

يا رحيقاً أشهى مذاقاً وأحلى

فيك أنت الذي سيبلي الدواهي

إنما أنت فيك ما ليس يبلى

جيزان سبتمبر 1999م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*   نشرت القصيدة ضمن مجموعة “ظلال الشوك” للشاعر، الصادرة عن مؤسسة عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 2010م

1   عند و فاة الفقيد البردوني كان كاتب هذه السطور يعمل في أحد فروع إحدى شركات انتاج وبيع المرطبات في المملكة العربية السعودية.

2  كل ما بين القوسين عبارة عن اقتباسات محورة لأبيات وردت في قصيدة البردوني “وردة من دم المتنبي”.

شارك هذا الموضوع:

معجب بهذه:

إعجاب تحميل...

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر وردة على ضريح البردوني في موقع صدى المواقع ولقد تم نشر الخبر من موقع يافع نيوز وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي يافع نيوز