الارشيف / أخبار محلية / عدن لنج

رحيل المناضل الحطَّابٍ والمصلح الاجتماعي الشاعر الشيخ أحمد بن حسين صالح الرشيدي

 

كتب / علي صالح الخلاقي

 

 

صُدمت صباح اليوم لخبر رحيل إنسان، سَبْط البنان، له في قلبي وقلب كل من عرفه مكان..مناضل وطني يُشار إليه بالبنان، وبطل من أبطال الزمان، ومصلح اجتماعي نزيه اليد واللسان، وشاعر له في سوح الشعر بيان..

إنه صديقي الإنسان النبيل، الأنيق في مظهره والجميل في مخبره الوالد الشيخ أحمد بن حسين صالح الرشيدي..

صَدْمة رحيل هذا الشامخ الأبي تهتز لها شوامخ العر وثمر والقارة وجبل موفجة، التي عرفته مصلحاً بين النَّاس، يتقدم الصفوف ويزيل بحكمته ورجاحة عقله كل خصومة وشقاق، ويوفق بين الأطراف ويصلح بينهما..

وتهتز لرحيله قمم ردفان وشمسان وكل أرض الجنوب العربي الذي عرفته مناضلاً جسوراً ومقداماً ضمن رعيل الثورة الأول، ومثله وأمثاله كثيرون من الشخصيات الوطنية ممن كان لهم بصماتهم الجلية في مقاومة الاستعمار البريطاني، وصنع الاستقلال الوطني الذي تحقق في 30نوفمبر 1967م، وأسهموا في بناء الدولة الوليدة، ثم فضلوا الأنزواء جانباً حينما بدأت الثورة تأكل ابنائها مع استفحال الصراع على السلطة بين رفاق النضال. 

ما يؤسف له أن هذا المناضل الذي أبلى بلاءً حَسَنًا في مقاومة الاستعمار وصنع فجر الاستقلال قد تعرض لظلم رفاق السلاح له في فترة التطرف الثوري، وسُجن من قبلهم لمجرد اعتدال فكره واختلافه بالرأي معهم، ففضل عدم الاصطدام معهم وقرر بمحض إرادته أن ينزوي جانباً، بعيداً عن الوظيفة الرسمية التي استحقها بجدارة، ثم اختار برضا وقناعة أن يبحث عن عمل خاص يكسب من خلاله لقمة العيش الشريف بعرق جبينه لاشباع أفواه أولاده، فاختار مهنة يبيع الحَطَب في مسقط رأسه يافع، حينما كانت مادة الوقود المنزلي الرئيسية في السبعينات ولا غنى عنها لكثير من الأسر.

تعرفت عليه قبل أكثر من عقدين، عند تأسيس كلية التربية يافع عام 1998م وربطتني به منذ ذلك الحين علاقة شخصية حميمة وتواصل لم ينقطع، سواء في يافع أو في عدن في منزله القريب من خط التسعين بالمنصورة، ورافقته لمرتين في زيارة صديقه الشاعر عبدالمجيد بن فضل بن محمد بن علي بن صالح بن أحمد هرهرة، رحمه الله، أثناء تدوين أشعاره التي نشرت جزءاً منها في كتابي (أعلام الشعر الشعبي في يافع). 

كان فقيدنا يحدثنا كثيراً عن ذكرياته حينما كنت أزوره بمعية صديقنا د.أحمد صالح الوطني في محله بسوق 14أكتوبر القريب من بيته في قرية (لقمر آل رشيد) وكان يحتفظ بالكثير منها خلال مراحل حياته وكُنت أحثه على تسجيل وتدوين كل تفاصيلها ففيها الكثير من الوقائع والأحداث الهامة وكثير من العبر والدروس التي ستتعلم منها الأجيال القادمة..

وكان لي شرف استضافته في مجلس مدرسي كلية التربية يافع أكثر من مرة وروى لنا من ذاكرته النقية، بعد أن طوى الثمانين من عمره، الكثير من ذكريات النضال وتفاصيل الأحداث والمنعطفات الهامة التي رسخت في ذاكرته ولم تغادرها وكأنه يعيش أحداثها وتفاصيلها لحظة روايتها... تذكَّر الشخصيات الوطنية ممن تعرف عليهم في صفوف النضال الوطني ضد الاستعمار، أمثال: محمد صالح مطيع، علي عنتر، سالم صالح محمد، السيد عبدالهادي شهاب، مهدي يسلم عشيش الكازمي، سالم الناخبي وعشرات الأسماء. كما سرد ذكرياته عن سنوات ما بعد الاستقلال بما فيها من انتصارات وانكسارات ومباهج وأحزان..

كما روى ذكريات سجنه مع عشرات من المناضلين في مطلع السبعينات لمدة عام ونصف بدون تهمة محددة وحتى خروجه من السجن وتركه العمل الرسمي كمدير لإدارة المخازن في شركة التجارة الداخلية، وعودته إلى مسقط راسه للعمل في تجارة وبيع (الحطب) وقناعته بهذه المهنة التي يقول أنه كسب منها الكثير بفضل من الله وبجهوده وسعيه الدائب، وأنه رفض كل العروض بالعودة للعمل الرسمي .. وشد انتباهنا جميعاً بقدرته على تقييم الأحداث التاريخية وسردها بأسلوب سلس وبسيط وبلغة أدبية راقية تنم عن مستواه الثقافي، وكذلك تقديره لكثير من الشخصيات الوطنية التي ارتبط بها في مراحل النضال الوطني واعتزازه بمواقفها...

والمناضل الوطني أحمد حسين صالح الرشيدي شاعر معروف له العديد من القصائد والمساجلات، التي تعبر عن مواقفه من الأحداث التي تعرض لها. ومن ذلك مساجلة طريفة ومعبرة بينه وبين المناضل علي شائع هادي أثناء زيارته ليافع برفقة المناضل محمد صالح مطيع للمشاركة في أفراح يافع التقليدية المتزامنة مع عيد الأضحى المبارك، حيث كانت تقام على مسارح مكشوفة مهرجانات الشعر والبال النسائية والرقص والبرع الرجالي.

كان اللقاء مصادفة بين (المناضل الحَطَّاب) و(المناضل الوزير) في أعلى قمة (نقيل الخلا) وهنا ، كما كتب زميلي وصديقي الباحث فضل الجثام، توقف موكب الوزير الأشهر،محمد صالح مطيع،هنالك رأس ،نقيل الخلا دنی منه أحد رفاق الثوره. .ليسلم عليه!..كان الأخير يهم في هبوط النقيل ليجلب بعض الحطبرالذي يباع في بقعة رأس"وادي يهر " تعرف بـ"المحط" ! بش الوزير برفيقه الحطاب، قائلا :

-جابك الله هديه. .يا رفيقي. .انا اشتيك، كيف حالك؟

-نحمده، وليش يا "مطيع " عساك بخير؟

-عشان، نجلس معا نتذكر الماضي؟

-انا لا أذكر من الماضي شيئ، فُقُدْك الذاكره؟

-وكيف عرفكني، وانته فقدت الذاكره؟

-لأنك وزير الخارجيه. .دائما نشوفك بالتلفزيون؟

-خليك "اللوك " لازم اشوفك وايش بتعمل؟

-ببيع حطب وفحم!

-إلی اللقاء، لازم اشوفك؟

وقد طالت المحادثة، علی نحو ما استشف منها وزير الداخلية، المناضل ،علي شايع هادي ، نبرة من الإحباط ..بل والتشاؤم في مفردات المناضل -الحطاب ،أحمد حسين الرشيدي ، الذي استنكف عن مزاولة السياسة بعد اعتقاله...! 

بعد يومين. .فحسب بعث الوزير برسالة لرفيقه الحطاب يستحثه علی اللقاء..مصدرة

بأبيات شعرية، ربما كانت آخر ما وصلنا من سيرته، يقول فيها:

 

قل للرشيدي كفی يكفي وما راح راح 

جينا زياره علی شأن السلا والمياح 

ومن حضر عندنا معنا سلي واستراح 

وفصل ثاني طلبنا للقاء والصفاح 

 

فرد الرشيدي منتشياً بقوله:

 

يا مرحبا آلاف يملأ ذي الفلا والفياح 

حيَّا بكم فوق راسي كلما البرق راح 

يا ذي وصلتم زياره للسلا والمياح 

وفصل آخر تقولوا للقاء والصفاح 

يا هاجسي هات نسنس بالكلام المباح 

واسجع وجاوب علی الأول رفيق الكفاح 

هل نلتقي يا رفاق أحمد بوسط البراح 

وبا نقص الخبر لأول وما جاء وراح 

وأذكر له أيام مرت والليالي الملاح 

أيام كنا سوية بالمدن والبطاح 

واتخبره عالعناصر والرجال الصحاح؟ 

أين أصبحوا؟ أين هبوا؟ كيف كان المراح؟ 

هل من ذنوب اجتنوها؟ واعدموا يا (وشاح) 

أم انكم قد نسيتم عهدكم والصفاح ؟

ظلمتم الحر يا الاخوه رضا واقتراح 

والانتهازي تشجع عندكم واستراح 

شرع الزمان إنقلابه كل شي به مباح 

فيه السلا والبلا فيه الفشل والنجاح 

أين الذي قبلكم أهل الخطب والصياح؟ 

ما حصلوا من يصدق للبكاء والنواح 

الفاتحه ذي تصلهم بالعشي والصباح 

والمنحرف والمخادع ذي أكل واستباح 

مال اليتامئ وأهله والشياه المناح 

الدهر غدار لا تضمن لنفسك صلاح 

الثاني اعفه لأنه لا يريد المزاح 

لكن معي له نصيحه لو يحب النصاح 

إن جاء في البر لا يعبر طريق الضياح 

وان جاء في البحر قل له يعتمد عالرياح 

ويركب ادقال مضمونه كسهم الرماح 

واحبال متواتره يعقد ولقح لقاح 

والبحريه والنواخذ مثل ريش الجناح 

لا اتنتف الريش يمسي الجنح مثخن جراح 

ذا ذي حصل مننا يا اخوان نرجوا السماح 

سماح لا شي غلطنا بالكلام المباح 

وللشاعر الراحل الكثير من الأشعار منها قصيدة أرسلها في مايو 1985م إلى صديقه الشاعر الشيخ محمد سالم الكهالي وفيها يتنبأ بأحداث يناير 1986م المشؤومة قبل سبعة أشهر من وقوعها ويحذر من وقوعها، وطلب من أطراف الصراع حينها تجنيب الشعب من عواقبها المحتلمة والوخيمة لأنه لن يكون فيها (رابح وشاطر). يقول:

 

يا من لحال العبد ساتر، وأنته لنا حارس وناظر

ذي في العمل وإلا مسافر، والرزق منك والسهالة

الطف على من كان ضاجر، ساهن لجودك وأنت قادر

وِنْ أذنب العبد أنت غافر، والستر منك والجمالة

يقول أبو سالم وصابر، أمسيت طول الليل ساهر

بفكر ومتعجب وحائر، والقلب زاد انشغاله

يالقلب مالك ليش حائر، أقنع بما عندك وسائر

من كان دونك لاتكابر، من ضاع وقته بالضلالة

وقال ماشي حال قاصر، الثوب والمعروف سابر

والقوت متوفر ووافر، ما هل بفكر في مقاله

ما يستوي صائم وفاطر، أو يستوي بارِر وفاجر

ولا يقع مسلم بكافر، والعلم ما هو شي جهاله

قم يا معنّا فجر باكر، وان ما بتعرف شُف مساير

لا واد ذي نا خب تبادر، وأعط الكهالي ذه الرسالة

 

قل له وصلتك ضيف دافر، من لَقْمَر اقبلتك مسافر

والرد مطلوبي وشاكر، وارجوك تتمَعَّن مقاله

سلام لك ما شن ماطر، وما نفح عود المباخر

والعطر ذي سَو للأكابر، ورُشّ به كوته وشاله

وِنْ قال عِلْم اكْفِه وخابر، قل سُوقنا ذا الآن قارِر

وأهل المعامل والمنَاجر، كلاً طوى منهم حباله

والماء نقص معنا وفاتر، والمال من عند المهاجر

وقف معاهم سوق فاتر، ما عاد حد كد الحوالة

والسيل من بعده مفاجر، لو قد نزل شل الخضائر

يا كم وكم بعده خسائر، ضيّع على الرعوي جماله

والحرب له صائح وزاجر، بالسوق تظهر له أشائر

وأهل المصارف والمتاجر، كلاً يرفِّع من قباله

هيهات كم تذهب خسائر، كم حَبْ من جوف الغرائر

ما عاد يكتب بالدفاتر، ما عاد حد يفكر بماله

كنّه صدر بالأرض صادر، زاد الخطر عند المصادر

وقت البلا تعمى البصائر، ماعَاد حَد دَوَّر دواء له

يا أخواننا يا كل فاكر، ذي بالعروبه والمصائر

وذاك بالاسلام دائر، من منهم ترضا زواله

وين الأطباء والدكاتر، وأهل السياسة كل ماهر

وبين الدواء يَهْل المخابر، للجُرح من قبل اندماله

يجنبونا من خسائر، ما حد بها رابح وشاطر

 

واحزِر معيَّا قَنْت حازر، لا وين يابيت الأصالة

لو شوكت الميزان قادر، والمقدمي للبل قاطر

والصدق من باطن وظاهر، فالصدق يظهر لا محاله

ختم القوافي والخواطر، ندعوك يا مولى السرائر

يالله عسى بالغيث بادر، لأرضنا تروى جباله

بالله وجنبنا المخاطر، بجاه من له نور زاهر

نبينا جا بالبشائر، عليه با صلي وآله

وهذا جواب الشاعر الشيخ محمد سالم الكهالي على صديقه الشاعر أحمد حسين صالح الرُّشيدي، وهو يتفق معه في رؤاه وتحليلاته وتوقعاته، بل ويدعو مثله إلى التشاور والتفاهم لتجنيب الشعب المجازر، قبل فوات الأوان لأنه إذا عجزوا عن التفاهم، ولجأوا إلى لغة السلاح (الميازر) فحينها سيخسر الجميع ولن يكسب طرف لحاله، وهذا ما كان .. فإلى جواب الكهالي:

 

يالله يا أول وآخر، سالك بلم نشرح وفاطر

جنبنا أعمال المناكر، من صدق والاَّ من هباله

وأغفر لنا يا خير غافر، أنا اسألك باطن وظاهر

أشكو إليك الحمل جائر، يا ذو المعزة والجلالة

ونجنا من كل فاجر، وأهل النميمة والتكابر

والسوء والناس الشرائر، ذي شغلهم قالاً وقاله

يا مرحبا وزن العمائر، جانا الرُشيدي با نباشر

ضيفي نمر شاجع وشاعر، با قول حيا الله قُبَاله

اعتز بالجيد المثابر، وقت الحَمَا أحسن من يعاصر

ما الفسل ماهل للمظاهر، والاَّ بيطفأ كالذبالة

وأحمد حسين انسان حازر، رامي على الضرب المباشر

والبحر مرسى للبواخر، ومن نكر مالي وماله

وانا بذي نَا فيه ذاكر، با خلّصه حاضر بحاضر

وان شي وقع زايد وقاصر، من كال بالكاس استكاله

جاني بيسأل ويش خابر، بِمْشِي ولا أدري وين سائر

والحمل عالكتفين جائر، والمرحله تُعرض وطاله

حفلات معنا بالمخادر، فيها المَنَاعي والمحاجر

كلاً بقصده قصد آخر، والفنيّه تحت الجواله

كلاً بعينه بنت عامر، حتى بطعنات الخناجر

والمشكلة معنا عناصر، ما يعرفوا وَيش الزُّمالة

والسُبه أصحاب المنابر، كلاً بيصدر له أوامر

بلا مراجع أو مصادر، كلاً مركز عالغزالة

وانا هنا ساهر وضاجر، لما بشُوف أن التناحر

من بين لخوه والعشائر، وينه أميري من وخاله

والمسألة شفها سماسر، وبا تواجهنا مخاطر

لو ما حزمنا الأمر باكر، من قبل يتوسع مجاله

والسيل ذي بعده مفاجر، با يستر الله خير ساتر

والاَّ شفه ذا خس زاجر، وهاجسك ما خس فاله

وانا بشم السيل دافر، والشرخ بالمدماك ظاهر

معَ تسدّه شي الستائر، مفروض يترمم عطاله

لِنّ البناء معنا مجادر، والساس من فوق الجراجر

 

ولكل واحد لحن آخر، من حيث يتخايل خياله

وان قد حصل قبل التشاور، حل المشاكل بالميازر

شفها على الكل الخسائر، ما هي على جانب لحاله

والأمر لَصْحَاب الأوامر، يجنبوا الشعب المجازر

والاَّ يوسع له مقابر، لا الأب ما يشتي عياله

ولكونها حرب العشائر، ذي منها قطع الحَنَاجر

والجيش مدري ويش ناظر، لو ما حزمها في رجاله

لا هو ذكي ينهي العناصر، ذي هم سبب لوَّل وآخر

تصفيه في كل الدوائر، بالطَّرد والاَّ باعتقاله

وبا يجنبنا الخسائر، لو سدَّها قبل المفاجر

وان كان قد هُوه المناصر، ينظر حرامه من حلاله

والحرب عقباها دمائر، والشعب ضده ذا التآمر

با يدفع القيمة مباشر، هذا الحقيقة لا محاله

هذا ومن حول الدكاتر، بشوف قدهم بالعنابر

فكيف أنا با قول بادر، لو كان دكتوري بحاله

للجرح ماء حامي وفائر، وطهره سبعه مخاطر

لا حد يزيّد لك معاذر، من قبل تعثر به نعاله

هذا جوابك لا تزاقر، شفني كماك القلب حائر

يا للعجب وين الكوادر، وانا فؤادي بانشغاله

شوف الكهالي كم يكابر، وهو على الآهات صابر

ما هل فزع تذهب جواهر، ذي ضمها داخل سباله

 

ذكر النبي من قلب طاهر، ما الحاج يطوف المشاعر

صلوا معي عدة مخاطر، تبلغ محمد لا حلاله

 

رحم الله فقيدنا وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون..

 

عدن

الجمعة 11نوفمبر2021م

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر رحيل المناضل الحطَّابٍ والمصلح الاجتماعي الشاعر الشيخ أحمد بن حسين صالح الرشيدي في موقع صدى المواقع ولقد تم نشر الخبر من موقع عدن لنج وتقع مَسْؤُوليَّة صحة الخبر من عدمه على عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الأصلي من الرابط التالي عدن لنج